الجاحظ

85

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

قد قلنا في الدلالة بالإشارة . فأما الخط ، فمما ذكر اللّه عز وجل في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب ، قوله لنبيه عليه السلام : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . وأقسم به في كتابه المنزل ، على نبيه المرسل ، حيث قال : ن . وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ، ولذلك قالوا : القلم أحد اللسانين . كما قالوا : قلة العيال أحد اليسارين . وقالوا : القلم أبقى أثرا ، واللسان أكثر هذرا . وقال عبد الرحمن بن كيسان : استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب ، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام . وقالوا : اللسان مقصور على القريب الحاضر ، والقلم مطلق في الشاهد والغائب ، وهو للغابر الحائن ، مثله للقائم الراهن . والكتاب يقرأ بكل مكان ، ويدرس في كل زمان ، واللسان لا يعدو سامعه ، ولا يتجاوزه إلى غيره . وأما القول في العقد ، وهو الحساب دون اللفظ والخط ، فالدليل على فضيلته ، وعظم قدر الانتفاع به قول اللّه عز وجل : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وقال جل وتقدس : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وقال جل وعز : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ . وقال : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ . والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة ، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن اللّه عز وجل معنى الحساب في الآخرة . وفي عدم اللفظ وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم ، وفقدان جمهور المنافع ، واختلال كل ما جعله اللّه عز وجل لنا قواما ، ومصلحة ونظاما .